يرصد الدكتور كامران يجانجي مفارقة لافتة في قطاع الطاقة القبرصي، إذ تمتلك الجزيرة حقول غاز بحرية واعدة تجاريًا، بينما تظل منظومة الكهرباء فيها معزولة عن شبكة الكهرباء الأوروبية، وتعتمد على الوقود المستورد، وتواجه صعوبة متزايدة في استيعاب كامل الطاقة الشمسية التي تنتجها البلاد.


وأفاد ميدل إيست مونيتور بأن السؤال الأساسي أمام نيقوسيا لا يتعلق فقط بكمية الغاز التي تستطيع قبرص استخراجها، بل بقدرتها على تحويل مواردها البحرية وكابلات الكهرباء وموقعها الجغرافي الاستراتيجي إلى نفوذ دبلوماسي مستدام، من دون السماح لقطاع الطاقة بتعميق الانقسامات السياسية التي تشكل ملامح شرق المتوسط.

 


الغاز القبرصي دون منظومة للتصدير

 

بدا اكتشاف حقل أفروديت عام 2011 وكأنه يفتح الطريق أمام قبرص لأداء دور جيوسياسي جديد. وتشير التقديرات إلى احتواء الحقل على نحو 4.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما جذب شركات كبرى مثل شيفرون وشل وشركة نيو ميد إنرجي الإسرائيلية. لكن اكتشاف الغاز وحده لم يكن كافيًا لإنتاج الطاقة أو تحقيق الإيرادات.


وتظل قيمة الغاز الموجود تحت قاع البحر الاستراتيجية محدودة إلى أن تجمع عمليات التمويل والبنية التحتية والأسواق والاتفاقات السياسية بين هذه الموارد والاقتصاد الإقليمي.


واكتسبت الموافقة على خطة تطوير حقل أفروديت في فبراير 2025 أهمية خاصة، إذ يشمل المشروع المقترح منشآت للإنتاج في البحر وربطًا تحت سطح البحر بمصر.


واختارت قبرص التعاون بدلًا من محاولة إنشاء صناعة مستقلة ومكلفة للغاز الطبيعي المسال. وتنص الاتفاقات المتعلقة بحقل أفروديت وحقل كرونوس الذي تديره شركتا إيني وتوتال إنرجيز، على نقل الغاز القبرصي إلى مصر، حيث تستطيع البنية التحتية القائمة معالجته للسوق المصرية أو إعادة تصديره في صورة غاز طبيعي مسال.


وفي مارس 2026، وقّعت مصر وقبرص اتفاقًا إطاريًا جديدًا لدعم المفاوضات بشأن تسويق الغاز القبرصي. وانضمت لاحقًا شركتا قطر للطاقة وإكسون موبيل إلى مصر في دراسة خيارات تطوير اكتشافات أخرى قبالة سواحل قبرص.


ويجسد ذلك الدبلوماسية القائمة على الطاقة عمليًا؛ إذ توفر قبرص الاحتياطيات، وتقدم الشركات الدولية رأس المال والتكنولوجيا، بينما توفر مصر البنية التحتية والوصول إلى الأسواق، وتمثل أوروبا وجهة محتملة لهذه الموارد.


ولا ينبع نفوذ نيقوسيا من امتلاك أكبر احتياطيات الغاز في المنطقة، بل من إدماج نفسها في شبكة أوسع من العلاقات التي تحقق قيمة متبادلة لأطرافها.


 

جزيرة الكهرباء الأخيرة


تزداد المفارقة وضوحًا على اليابسة، إذ لا تزال قبرص منفصلة عن منظومة الكهرباء الأوروبية القارية. وتعتمد شبكتها الصغيرة والمعزولة بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري المستورد، كما تفتقر إلى المرونة التي يمكن أن توفرها تجارة الكهرباء العابرة للحدود.


ولا تقتصر نتيجة ذلك على ارتفاع تكلفة الكهرباء، بل تحد أيضًا من قدرة الجزيرة على استغلال أحد أكثر مواردها المحلية وفرة، وهو ضوء الشمس.


وبحسب التقارير، قلّصت قبرص 47 في المئة من إمكانات توليد الطاقة الشمسية لديها عام 2025، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى عجز شبكتها المعزولة وقدرات التخزين غير الكافية عن استيعاب الإنتاج خلال فترات فائض المعروض. وهكذا تسعى دولة إلى تعزيز حضورها الإقليمي من خلال الغاز، بينما تهدر في الوقت نفسه جزءًا من الكهرباء المتجددة التي تنتجها محليًا.


ويهدف مشروع «الربط البيني للبحر الكبير» إلى تغيير هذا الوضع. وسيربط الكابل البحري ثنائي الاتجاه في مرحلته الأولى بين اليونان وقبرص، على أن يمتد لاحقًا إلى إسرائيل. ومن حيث المبدأ، سيسمح المشروع لقبرص باستيراد الكهرباء عند الحاجة، وتصدير فائض الطاقة المتجددة، ودمج المزيد من الطاقة الشمسية دون زعزعة استقرار الشبكة.


وقد خصص الاتحاد الأوروبي بالفعل 657 مليون يورو للمشروع. لكن الجزء المقرر بين اليونان وقبرص، الذي تقدر تكلفته بنحو 1.9 مليار يورو، واجه حالة من عدم اليقين بشأن التمويل واحتمالات ارتفاع التكلفة. وأقر وزير الطاقة القبرصي في مايو/أيار بإمكانية حاجة المشروع إلى تمويل إضافي.


كما تأثر المشروع بالخلافات حول الاختصاصات البحرية ومعارضة تركيا لأنشطة المسح في المياه المتنازع عليها. ولذلك يجسد مشروع الربط البيني في الوقت نفسه فرص الدبلوماسية القائمة على الطاقة ومخاطرها؛ فقد يقلل الكابل من العزلة الجغرافية، لكن إنشاءه يثير أسئلة حول التكلفة والتنظيم والسيادة والاصطفاف الاستراتيجي.


 

استراتيجية الطاقة لا تستطيع تجاوز القضية القبرصية

 

لا يمكن إجراء تقييم جاد لاستراتيجية الطاقة القبرصية من دون النظر إلى انقسام الجزيرة وعلاقتها المعقدة مع تركيا.


وقد تعزز منظومة طاقة تقوم حصريًا على قبرص واليونان ومصر وإسرائيل شراكات نيقوسيا، لكن أنقرة قد تنظر إليها من منظور سياسة الإقصاء والحدود البحرية المتنازع عليها.


وقد تؤدي البنية التحتية المصممة لتعزيز أمن الطاقة بالتالي إلى ترسيخ تكتلات جيوسياسية متنافسة، ما لم تترافق مع انخراط دبلوماسي موثوق.


ويضيف إشراك إسرائيل مخاطر سياسية وأخلاقية واستراتيجية كبيرة. ورغم طرح الربط المستقبلي بين قبرص وإسرائيل للكهرباء باعتباره وسيلة لتعزيز مرونة الشبكة، فإن البنية التحتية الحيوية للطاقة لا تستطيع عزل نفسها عن تداعيات الحرب في غزة.


وقد يؤدي تعميق التكامل في مجال الطاقة مع إسرائيل إلى تعريض نيقوسيا لانتقادات إقليمية متزايدة، وتعقيد محاولتها تقديم قبرص باعتبارها جسرًا محايدًا بين أوروبا والشرق الأوسط.


وتحمل الشراكات في مجال الطاقة التي تتجاهل البيئة السياسية المحيطة بها مخاطر جديدة، حتى في الوقت الذي تعد فيه بمزيد من الأمن.


ولا ينبغي أن يتمثل الهدف الاستراتيجي لقبرص في استخدام شراكات الطاقة لبناء تكتل إقليمي آخر جامد، بل في خلق خيارات متعددة.


وتوفر صادرات الغاز عبر مصر أحد هذه الخيارات، بينما يوفر الربط الكهربائي مع أوروبا خيارًا آخر. كما يقلل تخزين البطاريات وتحديث الشبكة وتوسيع الطاقة المتجددة من مواطن الضعف المحلية. ويمكن للترتيبات المصممة بعناية مع دول الجوار أن توسع القيمة الدبلوماسية لهذه الشبكة في المستقبل.


وينطبق على قبرص المبدأ نفسه الذي ينطبق على دول أخرى تعاني محدودية الموارد في الشرق الأوسط: لا يتطلب أمن الطاقة القضاء على الاعتماد، بل منع تحول الاعتماد على مسار أو سوق أو علاقة سياسية واحدة إلى وسيلة ضغط وإكراه.


 

من الاحتياطيات البحرية إلى القدرة الدبلوماسية


ينبغي لقبرص أن تقيس استراتيجيتها في مجال الطاقة وفق ثلاثة معايير رئيسية.


أولًا، يجب أن يحقق الغاز البحري قيمة عامة حقيقية، بدلًا من بقائه سلسلة من الإعلانات ومذكرات التفاهم. وتتطلب الاتفاقات التجارية شروطًا شفافة وجداول زمنية موثوقة وضمانات تحول دون الاعتماد المفرط على شركات بعينها أو طرق تصدير محددة.


ثانيًا، يجب أن تتعامل البلاد مع الربط الكهربائي والتخزين وإصلاح الشبكة بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع استخراج الغاز. فتصدير الغاز في الوقت الذي تُهدر فيه الطاقة الشمسية سيعيد إنتاج النهج الإقليمي الذي يعطي الأولوية لمكانة الدولة الخارجية في مجال الطاقة على حساب قدرتها المحلية على الصمود.


ثالثًا، يجب أن تدير الدبلوماسية في مجال الطاقة الجغرافيا السياسية بدلًا من تجاهلها. فقد توفر المشروعات التي تعمق الانقسامات الإقليمية بنية تحتية جديدة، لكنها قد تجعل التعاون طويل الأمد أكثر صعوبة.


تمتلك قبرص غازًا تحت البحر، وشمسًا فوقه، وموقعًا استراتيجيًا بين أوروبا والشرق الأوسط. لكن أيًا من هذه العناصر لا يصنع قوة تلقائيًا.


وتكمن فرصتها الحقيقية في الربط بين هذه المقومات، من خلال استخدام البنية التحتية المصرية دون الوقوع في أسر مسار تصدير واحد، والانضمام إلى منظومة الكهرباء الأوروبية دون تحويل الكابل إلى خط صدع جيوسياسي جديد، وتحويل الموارد الطبيعية إلى اقتصاد محلي أكثر قدرة على الصمود.


ولا تقاس قوة قبرص في مجال الطاقة بكمية الغاز التي تكتشفها، بل بقدرتها على بناء شبكات ذات قيمة كافية لتوسيع خياراتها الدبلوماسية، وشاملة بما يكفي لعدم إعادة إنتاج الصراعات المحيطة بها.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260905-cypruss-energy-paradox-gas-beneath-the-sea-isolation-on-the-grid/